Passion international university usa

حين تُتوَّج مسيرةُ الحرف بوسام الوفاء!

الدكتوراه الفخرية في الأدب العربي بين شرف التكريم وعظمة المسؤولية

بقلم: الدكتور ولي خان المظفر
مستشار رئيس جامعة الغزالي – كراتشي، باكستان

ليست الأوسمةُ جميعُها قطعًا من الذهب تُعلَّق على الصدور، ولا الشهاداتُ كلُّها أوراقًا تُزيَّن بها الجدران، ولا التكريمُ دائمًا احتفالًا عابرًا تنتهي بهجةُ أضوائه بانفضاض الحاضرين؛ بل إن من الأوسمة ما يُوشَّح به القلب، ومن الشهادات ما يُكتب بحبر المحبة على صفحات العمر، ومن التكريم ما يتجاوز شخص المكرَّم ليصبح تكريمًا لفكرةٍ حملها، ورسالةٍ عاش لها، ولغةٍ نذر لها فكره وقلمه ولسانه وسنواتٍ طويلةً من حياته.

وهكذا شعرتُ حين تفضَّلت جامعة باشن العالمية (Passion International University)، بولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، بمنحي شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب العربي، بمناسبة انعقاد القمة العالمية الأولى لرؤساء الجامعات، التي احتضنتها مدينة كراتشي يومي الحادي عشر والثاني عشر من أكتوبر عام ٢٠٢٦م، بتنظيم جامعة الغزالي، وبالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية.

لقد كان ذلك التكريم بالنسبة إليَّ لحظةً استثنائيةً من لحظات العمر؛ لحظةً التقت فيها ذكريات الماضي بآمال المستقبل، وتعانقت فيها مشقة الطريق مع جمال الوصول، ووقفتُ فيها بين عاطفتين جليلتين: فرحة الاعتراف بالجهد، وخشية التقصير في أداء الأمانة.

وأمام هذا الفضل، لا أجد أبلغ من قول الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

فالحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، على ما أولى وأنعم، وما يسَّر وأكرم، وما وهب من محبة أهل العلم وثقة رجاله.

إلى معالي الدكتور إسماعيل أحمد: التحية تليق بصانعي المجد

وإن أول كلمات الوفاء، وأصدق عبارات التقدير، وأعطر أكاليل الامتنان، أرفعها إلى معالي الأستاذ الدكتور إسماعيل أحمد، رئيس جامعة باشن العالمية بالولايات المتحدة الأمريكية، ذلك الرجل الذي أقدِّر فيه سموَّ الهمة، ورحابة الأفق، والاهتمام بتكريم الجهود العلمية والفكرية، ومدِّ جسور التواصل بين أهل المعرفة في مختلف أرجاء العالم.

معالي الرئيس!

إن تكريمكم لي ليس مجرد شهادةٍ أُضيفها إلى سجل حياتي، وإنما هو عهدٌ جديد أقطعه على نفسي أمام الله، ثم أمام أهل العلم، بأن أبقى وفيًّا للغة القرآن الكريم، خادمًا للأدب العربي، مناصرًا للعلم، داعيًا إلى أن تستعيد العربية مكانتها اللائقة في مؤسساتنا التعليمية، وفي فضائنا الحضاري، وفي وجدان أجيالنا القادمة.

وما أعظم المؤسسات العلمية حين لا تكتفي بمنح الشهادات، بل تصنع من التكريم طاقةً للعمل، ومن الاعتراف بالجهود العلمية دعوةً إلى مزيد من العطاء!

فلكم، معالي الرئيس، من القلب شكرٌ لا تحيط به العبارات، وتقديرٌ لا تستوفيه السطور، ودعواتٌ صادقة بأن يبارك الله في جهودكم، ويجعل جامعتكم منارةً للعلم النافع والفكر الرشيد وخدمة الإنسانية.

إلى شيخي وأستاذي العلامة الدكتور علي فؤاد مخيمر: الوفاء لأهل الفضل

ثم أتوجه بفيضٍ من المحبة والإجلال، وبخالص الشكر والعرفان، إلى أستاذي وشيخي العلامة الدكتور علي فؤاد مخيمر، نائب رئيس جامعة باشن العالمية، الذي أكنُّ له في نفسي مكانةً علميةً سامية، وأرى في شخصه الكريم نموذجًا للعالم الذي يجمع بين سعة المعرفة، ونبل المقصد، وكرم الأخلاق.

يا شيخي الجليل!

إن الإنسان قد ينسى في حياته كثيرًا من المناسبات، ولكنه لا ينسى أبدًا أولئك الذين وضعوا أيديهم على كتفه تشجيعًا، وفتحوا أمامه أبواب الأمل، ورأوا في جهوده المتواضعة بذورَ عطاءٍ يستحق الرعاية والتقدير.

وإن تكريمكم لي سيظل محفورًا في وجداني، لا لأنه رفع من قدري في أعين الناس، بل لأنه زادني شعورًا بمسؤولية العلم، وضرورة التواضع، وواجب الوفاء لمن صنعوا الجميل وأحسنوا الظن.

ولئن كان من حق الأستاذ على تلميذه أن يحفظ له فضله، فإن من أعظم حقوقكم عليَّ أن أترجم هذا الوفاء إلى عملٍ علمي، وإنتاجٍ أدبي، وجهودٍ متواصلة في نشر العربية وخدمة ثقافتها.

فجزاكم الله عني خير الجزاء، وأدام عليكم نعمة العلم والعافية، وجعل ما تقدمونه في موازين حسناتكم.

الدكتور وليد عبد المنعم: حين يقترن الفكر بحكمة التواصل

ولا يسعني في هذه المناسبة السعيدة إلا أن أخصَّ بالشكر والتقدير سعادة الأستاذ الدكتور وليد عبد المنعم، الذي أعتز بعطائه العلمي، وجهوده في توثيق العلاقات بين الجامعات، وتقريب المسافات بين المؤسسات الأكاديمية والشخصيات الفكرية.

إنني أنظر إلى الرجال الذين يسهمون في بناء جسور التعاون العلمي بوصفهم بناةً حقيقيين لمستقبل الأمة؛ لأنهم يدركون أن المعرفة لا تزدهر في العزلة، وأن الجامعات لا تبلغ رسالتها الكبرى إلا حين تتواصل وتتعاون وتتكامل.

وللدكتور وليد في نفسي محبةٌ وتقدير، وله مني أصدق الدعوات بأن يوفقه الله إلى مزيد من النجاح والريادة والتأثير النافع.

وإنني لأرى أن العالم الإسلامي بحاجة ماسَّة إلى شخصيات أكاديمية تدرك أن العلاقات الجامعية ليست مجرد بروتوكولات تُوقَّع، أو لقاءاتٍ تُعقد، وإنما هي جسورٌ تمتد عبر الحدود، وتلتقي فوقها العقول، وتتلاقح الأفكار، وتتضافر الجهود لبناء مستقبل علمي أكثر إشراقًا.

الدكتور محمد سعيد الحداد: شكرٌ لرجل المبادرات والعلاقات العلمية

وأبعث بتحيةٍ خاصة، مفعمة بالمحبة والاعتزاز، إلى سعادة الدكتور محمد سعيد الحداد، الذي أقدِّر فيه حيويته الفكرية، ونشاطه في خدمة المبادرات العلمية، وحرصه على بناء العلاقات الإنسانية والأكاديمية.

إن أجمل ما في الرجال المتميزين أنهم لا يحتفظون بنجاحهم لأنفسهم، بل يجعلون منه سبيلًا إلى نجاح الآخرين، ولا ينظرون إلى الإنجازات باعتبارها نهاياتٍ مغلقة، بل بداياتٍ تفتح أمام أصحاب الهمم آفاقًا أرحب.

فلك يا دكتور محمد سعيد من المحبة بقدر ما في القلب من تقدير، ومن الشكر بقدر ما في النفس من امتنان، وأسأل الله أن يجعل لكم من اسمكم نصيبًا من السعادة، ومن جهودكم ثمارًا مباركةً في الدنيا والآخرة.

إلى المجالس العلمية والاستشارية والتنفيذية: أنتم شركاء هذا الفضل

كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى أعضاء المجالس التعليمية والعلمية والاستشارية والتنفيذية بجامعة باشن العالمية، وإلى جميع المسؤولين والأساتذة الأفاضل الذين أسهموا في هذا التكريم الكريم.

أيها السادة الأجلاء!

إنني أنظر إلى قراركم بتكريمي باعتباره ثقةً غاليةً ومسؤوليةً مضاعفة، وأستقبله بتواضع المتعلم، لا بزهو المتوَّج؛ لأن العلم كلما اتسعت آفاقه ازداد صاحبه إدراكًا لقلة ما يعلم، وعظمة ما ينبغي عليه أن يتعلم.

ولعل أجمل ما أتمناه أن أكون عند حسن ظنكم، وأن أقدم في السنوات المقبلة من الأعمال العلمية والأدبية ما يجعل لهذا التكريم أثرًا باقيًا يتجاوز شخصي المتواضع إلى طلاب العربية ومحبيها والمنتسبين إلى مؤسساتها.

كراتشي والقمة العالمية: حين اجتمع شرف المناسبة وجمال التكريم

وقد اكتسب هذا التكريم في نفسي مكانةً مضاعفةً؛ لأنه جاء متزامنًا مع حدثٍ أكاديمي عالمي استثنائي شهدته مدينة كراتشي، وهو القمة العالمية الأولى لرؤساء الجامعات، التي انعقدت يومي ١١ و١٢ أكتوبر ٢٠٢٦م، بالتعاون بين رابطة الجامعات الإسلامية وجامعة الغزالي.

كانت تلك القمة، في نظري، أكثر من اجتماع لرؤساء المؤسسات الجامعية؛ كانت إعلانًا بأن مستقبل الأمة لا يُصنع بالمواقف السياسية وحدها، وإنما يُبنى كذلك في قاعات العلم، ومراكز البحث، ومؤسسات التربية، وميادين الإبداع.

وإذا كانت القمة قد رفعت راية التعاون الأكاديمي والشراكة الحضارية، فإن تكريمي بهذه الشهادة الفخرية جاء ليذكِّرني بأن العربية، التي أفنيت في محبتها وخدمتها جانبًا كبيرًا من حياتي، تستحق أن تكون في قلب هذا المشروع الحضاري.

لقد قلتُ مرارًا، وما زلت أؤمن وأردد:

«العربية غايةٌ مقصودة، وليست وسيلةً فحسب».

فالعربية ليست عندي مجموعةً من القواعد النحوية والصرفية، ولا مادةً دراسيةً تنتهي بانتهاء الامتحان؛ إنها لغة القرآن الكريم، ولسان تراثٍ عظيم، ووعاء ذاكرةٍ حضارية، وجسرٌ يربط حاضر الأمة بماضيها، ويؤهلها للمشاركة الواعية في صناعة مستقبلها.

وما كنت يومًا أرى في خدمة العربية مجرد وظيفةٍ أكاديمية، بل كنت أراها رسالةً تُعاش، وهمًّا يُحمل، وأمانةً يُسأل المرء عن أدائها.

من مقاعد التلمذة إلى منابر التكريم

وفي مثل هذه اللحظات، لا يملك الإنسان إلا أن يعود بذاكرته إلى البدايات.

أعود إلى أيام الطلب الأولى، وإلى مجالس العلماء، وإلى أستاذي وشيخي المحدث الكبير الإمام الشيخ سليم الله خان، رحمه الله تعالى، الذي كان لصحبته وتوجيهاته أثرٌ عميقٌ في تكوين شخصيتي العلمية والتربوية.

وأتذكر السنوات التي قضيتها في التعليم والتدريس والتحرير والكتابة، وفي خدمة العربية وأهلها، وما رافقها من تعبٍ ومثابرة، وتعثرٍ ونهوض، وآمالٍ بعيدة كانت تبدو أحيانًا أكبر من الإمكانات.

وما زلت أؤمن بأن أعظم ما تمنحه الحياة للإنسان ليس أن يرى اسمه مكتوبًا على شهادة، وإنما أن يرى شيئًا من أحلامه يتحول إلى واقع، وأن يجد من أهل الفضل من يشجعه على مواصلة الطريق.

ولهذا فإنني لا أعدُّ هذا التكريم خاتمة رحلة، وإنما أراه فاتحة فصل جديد من فصول المسؤولية والعطاء.

الدكتوراه الفخرية ليست نهاية الطريق، بل بداية عهد جديد

إن الشهادات مهما علت لا تجعل الإنسان كبيرًا ما لم يكن عمله كبيرًا، ولا تمنحه الخلود العلمي ما لم يترك أثرًا نافعًا، ولا تضمن له مكانةً في التاريخ ما لم يقدم للناس ما يستحق البقاء.

وما أحوجنا في عالمنا الإسلامي إلى أن ننتقل من ثقافة الاحتفاء بالشهادات إلى ثقافة صناعة المنجزات، ومن التنافس في الألقاب إلى التنافس في خدمة المعرفة، ومن الاعتزاز بما حققناه بالأمس إلى التساؤل عما نستطيع تقديمه غدًا!

وإنني إذ أتلقى هذا التكريم الكريم، أجدد العهد على أن أواصل العمل في خدمة الأدب العربي، وتطوير تعليم اللغة العربية، وإعداد أجيالٍ قادرة على التعبير بها إبداعًا وبحثًا وتأليفًا، وتعزيز حضورها في الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية، ولا سيما في شبه القارة الهندية.

وأرجو أن يكون هذا التكريم حافزًا إلى مشروعات علمية وأدبية تتجاوز حدود الأفراد والأوطان، وتستثمر ما تتيحه الشراكات الجامعية من فرصٍ للتأليف والترجمة والبحث والتبادل المعرفي.

إنني لا أريد أن تكون هذه الشهادة الفخرية مجرد ذكرى جميلة أستعيدها كلما نظرت إليها، بل أريدها أن تتحول إلى مشروعٍ يتجدد، وفكرةٍ تنضج، وعملٍ يمتد أثره إلى أجيالٍ لم تولد بعد.

فما قيمة تكريمٍ لا يوقظ في صاحبه عزيمةً جديدة؟ وما جدوى لقبٍ لا يدفع حامله إلى مزيدٍ من التواضع والبذل والإبداع؟

كلمة أخيرة: شكرٌ بحجم الوفاء

وأخيرًا، أقول لمعالي الأستاذ الدكتور إسماعيل أحمد، ولشيخي العلامة الدكتور علي فؤاد مخيمر، وللدكتور وليد عبد المنعم، وللدكتور محمد سعيد الحداد، ولجميع أعضاء المجالس التعليمية والاستشارية والتنفيذية بجامعة باشن العالمية:

شكرًا لكم؛ لأنكم لم تكرموا شخصًا فحسب، بل أكرمتم في نفسه سنواتٍ من المحبة للعربية، وأضأتم في قلبه شعلةً جديدةً من الأمل، ووضعتم على عاتقه أمانةً علميةً وأدبيةً سيظل يحملها ما دام قادرًا على التفكير والكتابة والعطاء.

شكرًا لكم على ثقتكم الغالية، ومشاعركم النبيلة، وحسن ظنكم الذي أرجو الله أن يعينني على أن أكون أهلًا له.

ولجامعة باشن العالمية، رئاسةً ومجالسَ وأساتذةً وإدارةً، مني أسمى آيات الوفاء والتقدير والامتنان.

أما أنا، فليس لي في هذه اللحظة إلا أن أرفع يدي إلى السماء قائلًا:

اللهم اجعل هذا التكريم عونًا لي على طاعتك، وحافزًا إلى خدمة العلم، وسببًا لنشر الخير، ولا تجعله مدعاةً للغرور أو العُجب أو الغفلة.

اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل، والبركة في العمر والقلم، وحسن الأثر بعد الرحيل.

وختامًا، فإنني أؤمن بأن:

التكريم الحقيقي ليس أن يُكتب اسمك على لوحة الشرف، بل أن تكتب بأعمالك صفحةً مشرقةً في سجل العلم والحضارة.

والشهادة الحقيقية ليست ما تحمله في يدك، بل ما يشهد لك به علمك وعملك وأثرك في حياة الناس.

وإذا كانت الجامعات تمنحنا شهادات التقدير في الدنيا، فإن أعظم ما نرجوه جميعًا هو أن يمنحنا الله شهادة القبول في الآخرة.

فالحمد لله على فضله، والشكر لأهل الفضل على وفائهم.

وما أجمل أن يُتوَّج العمر بالعلم، وأن يُتوَّج العلم بالعمل، وأن يُتوَّج العمل بالإخلاص!

---

الدكتور ولي خان المظفر
الحاصل على الدكتوراه الفخرية في الأدب العربي من جامعة باشن العالمية بالولايات المتحدة الأمريكية
مستشار رئيس جامعة الغزالي
كراتشي – جمهورية باكستان الإسلامية

١٨ أكتوبر ٢٠٢٦م
Dr shaikh wali khan almuzaffar
About the Author: Dr shaikh wali khan almuzaffar Read More Articles by Dr shaikh wali khan almuzaffar: 459 Articles with 997618 views نُحب :_ الشعب العربي لأن رسول الله(ص)منهم،واللسان العربي لأن كلام الله نزل به، والعالم العربي لأن بيت الله فيه
.. View More